كشفت دراسات اثرية حديثة عن وجود مدافن جماعية ضخمة ومثيرة للدهشة في صحراء السودان تعود الى آلاف السنين، حيث اظهرت التحليلات ان هذه الهياكل الدائرية التي تعود للعصور الغابرة تحوي رفات بشر وحيوانات دفنت بعناية فائقة.
واوضحت النتائج ان هذه المدافن المعروفة باسم مدافن العتباي المسورة كانت تتطلب جهدا جماعيا كبيرا لبنائها، مما يشير الى وجود تنظيم اجتماعي متقدم بين الرعاة الذين عاشوا في تلك المناطق القاحلة قبل ان يغزوها التصحر والجفاف.
وبينت الابحاث ان هذه المواقع لم تكن مجرد مقابر عادية بل كانت مراكز طقسية تحيط بشخصيات مركزية، مما يعزز فرضية وجود طبقة نخبوية في مجتمعات الرعاة القديمة التي كانت تقدس الماشية وتعتبرها رمزا للثروة والمكانة الاجتماعية.
نمط ثقافي موحد عبر الصحراء
واكد العلماء ان هذه المقابر تمثل نمطا ثقافيا موحدا امتد لنحو الف كيلومتر شرق نهر النيل، مبينا ان الرعاة اختاروا مواقع استراتيجية قرب مصادر المياه التي كانت متاحة قبل التحولات المناخية الكبرى التي شهدتها المنطقة.
واضاف الباحثون ان الدفن الجماعي للماشية بجانب البشر يعكس علاقة روحية فريدة بين الرعاة وقطعانهم، موضحا ان هذه الممارسات استمرت لقرون طويلة حتى بعد تغير المناخ وهجرة القبائل نحو مناطق اكثر ملاءمة للعيش والبقاء.
واشار التقرير الى ان هذه المدافن ظلت تستخدم لدفن الموتى لاجيال متعاقبة، مما حولها الى معالم دائمة صمدت امام عوامل الزمن والتعرية، رغم التحديات البيئية القاسية التي واجهت سكان الصحراء الشرقية في تلك الحقبة التاريخية.
مخاطر تهدد التراث الانساني
وكشفت الدراسة ان هذه المعالم الاثرية الفريدة تواجه اليوم خطرا حقيقيا يتمثل في انشطة التعدين غير المنظمة، موضحة ان هذه المواقع التي بقيت آلاف السنين قد تختفي تماما في غضون ايام بسبب التخريب البشري المستمر.
واكد الخبراء ان الحفاظ على هذه الاثار يعد ضرورة لفهم قصة الصحاري الكبرى بعيدا عن السرديات التقليدية، مشددا على ان هذه المدافن تقدم دليلا ملموسا على بدايات التطور الاجتماعي قبل نشوء الممالك الكبرى في المنطقة.
واوضح الباحثون ان اعادة اكتشاف هذه المواقع يفتح الباب امام فهم اوسع للثقافة الرعوية القديمة، مبينا ان المنطقة كانت مسرحا لحضارة متطورة تميزت بقدرتها على التكيف مع اقسى الظروف البيئية في التاريخ القديم.






