حرب حقوق النشر تعيد تشكيل ذاكرة الانترنت ومخاوف من عصر رقمي مظلم

{title}
تدوينة   -

كشفت تقارير حديثة عن تصاعد حدة الصراع بين المؤسسات الاعلامية الكبرى ومشروع ارشيف الانترنت حيث بدأت كبريات الصحف في فرض قيود صارمة على أدوات الارشفة الرقمية لمنع وصول روبوتات البحث الى محتواها. واوضحت هذه المؤسسات ان قرارها جاء مدفوعا بمخاوف جدية من استغلال بياناتها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون الحصول على اذن مسبق او تعويض مالي عادل وهو ما يهدد استمرارية حفظ الويب.

واضاف الخبراء ان هذا التوجه لم يعد مقتصرا على المؤسسات الاعلامية العريقة بل امتد ليشمل مئات المواقع الاخبارية المحلية في الولايات المتحدة مما يطرح تساؤلات حول مستقبل الوصول الحر للمعلومات وتاريخ التغطيات الصحفية. وبينت البيانات ان هذه السياسات التقنية الجديدة تحجب الوصول الى نسخ قديمة من المقالات التي كانت تعتبر مرجعا اساسيا للباحثين والمؤرخين الذين يعتمدون على ارشيف الانترنت كذاكرة رقمية موثقة للاحداث.

واكد الباحثون ان هذه الخطوات تمثل تحولا خطيرا في هيكلية الويب المفتوح حيث اصبحت عملية حذف المحتوى امرا متعمدا وممنهجا بدلا من ان تكون نتيجة طبيعية لتلف الروابط او اغلاق المواقع المهجورة. وشدد هؤلاء على ان هذا التوجه قد يؤدي الى ضياع السجل الرقمي للعصر الحالي مما يحرم الاجيال القادمة من فهم سياقات الاحداث المعاصرة وتوثيق الحقائق التاريخية بدقة وشفافية مطلقة.

ازدواجية المعايير في التعامل مع الارشيف الرقمي

وبين مدير ارشيف الانترنت مارك غراهام ان هناك تناقضا صارخا في سلوك المؤسسات الاعلامية التي تمنع الارشفة بينما تستخدم هي نفسها ادوات واي باك ماشين للتحقق من المعلومات وتتبع التعديلات. واضاف ان هذه الازدواجية تثير الكثير من الجدل حول دوافع تلك المؤسسات الحقيقية التي قد تتجاوز مجرد حماية حقوق النشر لتصل الى فرض سيطرة كاملة على تدفق المعلومات التاريخية والارصدة الصحفية.

واوضح غراهام ان مشروع الارشيف ليس طرفا في صراع الذكاء الاصطناعي بل هو مكتبة عامة تهدف للحفاظ على المعرفة البشرية مشيرا الى انهم اتخذوا تدابير تقنية لمنع سحب البيانات الضخمة. واكد ان منع الوصول الى الارشيف يهدد مصداقية العمل الصحفي الذي يعتمد كليا على الرجوع الى المقالات السابقة والقصص الموثقة التي لم يعد لها وجود سوى في تلك الخوادم المحمية.

وكشف تقرير نيمان لاب ان القيود شملت اكثر من ثلاثمئة واربعين موقعا اخباريا محليا مما يعكس اتساع رقعة هذه الظاهرة التي تهدد بتفتيت الذاكرة الرقمية العالمية وتحويل الانترنت الى فضاء هش. واضاف ان الصحافة المحلية هي الاكثر تضررا لانها لا تملك البنية التحتية اللازمة للحفاظ على ارشيفاتها الخاصة لفترات طويلة مما يجعل فقدانها لهذه الادوات بمثابة محو لتاريخ المجتمعات الصغيرة التي لا تجد تغطية اعلامية واسعة.

الذكاء الاصطناعي وتحديات الحفاظ على الذاكرة الرقمية

واظهرت الدراسات ان التخوف من نماذج الذكاء الاصطناعي اصبح الشماعة التي تعلق عليها المؤسسات قراراتها بتقييد الوصول الى المحتوى التاريخي والارشيفي رغم اختلاف طبيعة عمل الارشفة عن عمليات التدريب. واضاف الباحث ايان ميليغان ان فقدان المحتوى الرقمي اصبح فعلا مقصودا بفعل سياسات الحجب التقني التي تمنع محركات البحث عن الارشيف من القيام بمهامها الاساسية في صون الذاكرة الانسانية من الزوال.

واكد ميليغان ان الخطر يتجاوز المقالات الاخبارية ليصل الى منصات التواصل الاجتماعي التي بدأت ايضا في حظر ادوات الارشفة مما يعني ضياع تفاعلات الشعوب واصوات الافراد العاديين التي توثق لحظات تاريخية مفصلية. وبين ان فهم الاحداث الكبرى مثل الازمات السياسية او الكوارث الطبيعية يعتمد بشكل كبير على الاثار الرقمية التي تتركها الشعوب خلفها في المنتديات والمنصات التي اصبحت اليوم مهددة بالاختفاء التام تحت مسميات حقوق النشر.

واضاف ان العصر الرقمي المظلم الذي حذر منه الكثيرون قد بدأ بالفعل في التشكل ليس بسبب الحروب او الكوارث بل من خلال خوارزميات صامتة تمنع الوصول وتقرر ما الذي يستحق البقاء وما الذي يجب ان يختفي. وشدد على ان التاريخ الانساني كان يخشى دائما من حرق المكتبات قديما بينما اليوم يواجه خطر التلاشي عبر ملفات تقنية صغيرة تمنع الروبوتات من حفظ ما كتبناه ليكون شاهدا على عصرنا.