حرفة السمط في المذبح.. رحلة البحث عن الرزق بين لهيب الماء المغلي ومخاطر المهنة

{title}
تدوينة   -

مع بزوغ خيوط الفجر الاولى في حي المذبح العريق بالقاهرة يبدا عمال مهنة السمط يومهم الشاق وسط اجواء مليئة بالبخار المتصاعد من صفائح الماء المغلي المخصصة لتنظيف احشاء الذبائح ورؤوسها في حركة عمل لا تهدأ. واظهرت المشاهد اليومية كيف يواجه هؤلاء الرجال تحديات جسدية قاسية حيث تغوص ايديهم لساعات طويلة في مياه شديدة السخونة بهدف ازالة الشعر وتنظيف الفواكه واللحوم التي يقبل عليها الزبائن في الاسواق الشعبية.

وبين علي الامريكاني الذي امضى خمسة عقود في هذه المهنة ان العمل يتطلب صبرا كبيرا وقوة تحمل فائقة مشيرا الى ان الاطفال والشباب يشاركون ايضا في نقل الاحشاء وتجهيز المياه الساخنة لضمان سير العمل بانتظام. واضاف ان هذه المهنة ليست مجرد وظيفة بل هي ارث يومي يتطلب دقة ومهارة في التعامل مع الذبائح لضمان جودة المنتج النهائي الذي يعرض امام المشترين في مختلف ارجاء السوق المتمدد نحو الجيزة.

واكد العاملون ان السمط في اللغة يعني غمس الشيء في الماء الحار لكنه في واقعهم يعني معايشة دائمة للالتهابات والتسلخات الجلدية التي تترك اثارها على ايديهم التي تعد مصدر رزقهم الوحيد والاكثر اهمية. وبينوا انهم يضطرون لاستخدام القفازات الطبية والمراهم العلاجية اثناء فترات الراحة القصيرة في محاولة لتخفيف حدة الحروق والالم الناتج عن التعرض المباشر والمستمر لدرجات حرارة تتجاوز المئة درجة مئوية طوال النهار.

مخاطر المهنة واجور العاملين

وكشفت الجولات الميدانية في ورش السمط ان هؤلاء العمال يتقاضون اعلى الاجور في سوق المذبح بعد الجزارين نظرا لصعوبة ظروف عملهم ومخاطرها الصحية حيث تتضاعف الدخول خلال مواسم الاعياد لتصل الى ارقام مجزية للبعض. واوضح الكثير من السماطين انهم يحرصون على عدم الحاق ابنائهم بهذه المهنة الشاقة طامحين في تعليمهم وتوفير مستقبل افضل لهم بعيدا عن لهيب الماء المغلي ومتاعب العمل اليدوي المرهق في المذبح.

واشار منصور وهو احد العمال الى ان حجم المسؤوليات العائلية يدفعه للاستمرار في هذه المهنة رغم قسوتها حيث يعول اسرة كبيرة ويواجه تحديات اقتصادية يومية تجعل من العمل في المذبح ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. واضاف ان التكاتف بين العمال والاجواء الاجتماعية التي تخفف من حدة التعب هي ما يجعلهم يواصلون العمل لساعات طويلة دون انقطاع خاصة في الايام التي يزداد فيها الطلب على ذبح وتجهيز الاضاحي.

وذكر العمال ان موسم الاعياد يمثل ذروة الضغط حيث لا يتوقف النشاط على مدار الساعة بل يمتد ليشمل خدمات خارجية في الشوارع والمنازل مما يجعلهم في حالة استنفار دائم حتى انتهاء ايام التشريق. واكدوا ان روح الدعابة والونس بين الزملاء هي الوسيلة الوحيدة لتجاوز صعوبات العمل اليومي حيث يتبادلون القصص والاغاني وسط بخار الماء المتصاعد الذي يغلف يومهم الطويل بالمعاناة الممزوجة بالامل في لقمة العيش.

مستقبل حرفة السمط

واوضح المراقبون ان مهنة السمط تظل جزءا لا يتجزا من الثقافة الشعبية في المذابح المصرية رغم كل التطورات حيث لا تزال تعتمد على المهارة اليدوية الفائقة التي لا يمكن للالات الحديثة ان تعوضها بالكامل. واضاف ان العمال يطورون يوما بعد يوم طرقا للحماية الذاتية رغم تواضع الامكانيات مؤكدين انهم سيظلون الركيزة الاساسية في سوق اللحوم مهما بلغت التحديات الجسدية التي يواجهونها اثناء ممارستهم لهذا العمل اليومي الشاق.

وشدد السماطون على انهم ورغم التعب يفتخرون بكونهم يقدمون خدمة اساسية للمجتمع تساهم في توفير احتياجات المواطنين من اللحوم المنظفة والمجهزة بشكل جيد للاستهلاك الادمي وفق المعايير المتبعة في الاسواق الشعبية الكبرى في القاهرة. واضافوا ان تطلعاتهم تتركز في تحسين ظروف العمل وتوفير رعاية صحية تليق بجهودهم التي يبذلونها في ظروف عمل قاسية للغاية تستهلك من صحتهم الكثير وتجعل من الحفاظ على الايدي مهمة مقدسة للبقاء.

وبين ان مشهد العمل في المذبح سيبقى شاهدا على كفاح هؤلاء العمال الذين يحولون التحديات الى مصدر رزق مستمر متجاوزين كل الصعاب بابتسامة ورضا رغم ان ايديهم لا تفارق الماء المغلي ابدا. واكدوا في ختام حديثهم انهم سيظلون اوفياء لهذه المهنة التي علمتهم الصبر والجلد في مواجهة الحياة وتقلباتها تاركين للزمن والاجيال القادمة قصة كفاح يسطرها عمال السمط في قلب المذبح القديم.