لم تعد الهواتف الذكية مجرد ادوات تقنية نستخدمها عند الحاجة بل تحولت الى محركات اساسية تدير تفاصيل حياتنا اليومية والمهنية. واصبحت هذه الاجهزة بمثابة غرف عمليات متصلة تفرض علينا نمطا من الحضور الدائم.
واوضحت الدراسات الحديثة ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في كثرة استخدام الهاتف بحد ذاته بل في الحالة النفسية التي يفرضها الاتصال المستمر بالانترنت. واكد الخبراء ان هذا الوضع يجعلنا في حالة استنفار.
وبينت الملاحظات ان شعورا خفيا يتولد لدى الكثيرين بان كل شيء عاجل حتى في الاوقات التي لا تستدعي ذلك. واضاف الباحثون ان هذا النمط من العيش يدفع الافراد نحو الاستنزاف النفسي والعزلة الاجتماعية.
الحياة بوضعية الاستعجال الدائم
وكشفت المعالجة النفسية اريكا شوارتزبيرغ ان وضع الاستعجال الدائم يولد احساسا وهميا بوجوب الاستجابة الفورية لكل التنبيهات. واشارت الى ان هذا السلوك يظهر الشخص بمظهر المنتج والمنضبط بينما يعمل داخله مؤقت خفي يطالبه بالانجاز.
وذكرت ان هذه العجلة تحولت الى نمط عصبي يحظى بالثناء في عالم المقارنات الرقمي. واضافت ان الجهاز العصبي يبقى في حالة استنفار دائم مما يترتب عليه اعراض جسمانية مزعجة مثل شد الفك وضيق التنفس.
واكدت ان الجسد يبدأ مع مرور الوقت بتقبل هذه الحالة من التوتر كوضع طبيعي. واوضحت ان الانزعاج من اوقات الفراغ اصبح سمة ملازمة لمن يعيشون تحت وطاة هذا الضغط العصبي المستمر دون توقف.
معضلة ترتيب المهام الحقيقية
واظهرت تقارير متخصصة ان فقدان القدرة على ترتيب الاولويات هو التحدي الاكبر في ظل تراكم المهام. وذكرت ان رسائل البريد الالكتروني تعمل كجرس انذار يشتت العقل ويمنعه من رؤية الصورة الكاملة للاحداث اليومية.
وبينت الدراسات العصبية ان الضغط المستمر يرفع نشاط مراكز الانذار في الدماغ ويضعف القشرة الجبهية المسؤولة عن التخطيط. واضافت ان المشكلات الصغيرة تبدو كتهديدات كبيرة حين يكون الدماغ مرهقا ومستنفدا من كثرة الردود.
واكدت الابحاث ان تقليل الاتصال بالانترنت المحمول يساعد في استعادة التركيز وتحسين الصحة النفسية. واوضحت النتائج ان المشاركين الذين قللوا استخدامهم للانترنت شهدوا تحسنا في الانتباه يعادل تراجع عشر سنوات من الاثر المرتبط بالعمر.
لماذا لا يكفي ترك الهاتف؟
وذكر الباحث كوستادين كوشليف ان التخلص الكامل من الهاتف ليس حلا عمليا في عالمنا المعاصر. واضاف ان الهدف يجب ان يكون تقليل دفعات الدوبامين السريعة الناتجة عن وسائل التواصل الاجتماعي بدل الانقطاع التام.
وبينت التجارب ان الحل الوسط هو الطريق الاكثر استدامة للنجاح. واكدت اننا لسنا مطالبين بان نصبح غير متاحين بل يجب ان نتوقف عن كوننا متاحين لكل شيء بالدرجة الملحة والضرورية نفسها طوال الوقت.
واضافت ان تعديل البيئة المحيطة يعد خطوة اولى لكسر العادة السيئة. واكدت ان ايقاف الاشعارات غير الضرورية وشحن الهاتف خارج غرفة النوم يساهمان في فصل لحظات الاسترخاء عن منطق الاستدعاء والاستنفار الدائم.
نحو نظام اولويات متزن
واوضحت مجلة هارفارد بزنس ريفيو ان ثقافة العمل الحديثة زادت من اعباء الموظفين بشكل ملحوظ. واضافت ان سرعة التغيير في بيئات العمل اصبحت تفوق قدرة الافراد على المواكبة مما يفاقم الشعور بالضغط.
وبينت ان بناء نظام اولويات واضح هو السبيل الامثل للتعامل مع المهام اليومية. واكدت ان تحديد ما يحتاج ردا فوريا وما يمكن تاجيله يساعد في استعادة السيطرة على الوقت وتخفيف حدة التوتر النفسي.
وكشفت ان استشارة المختصين تصبح ضرورية عند الشعور بالقلق الدائم او ربط القيمة الشخصية بالانتاجية. واضافت ان التعامل مع هذه المشاعر برفق يساعد في تقليل الاحتراق النفسي وتحقيق توازن افضل في العلاقات المهنية والشخصية.






