حكايات من قلب خيام غزة.. كيف اصبحت طقوس الزواج رهينة الحرب؟

{title}
تدوينة   -

وسط ركام الحرب وداخل خيام قماشية تفتقر لابسط مقومات الحياة، يواجه شباب غزة تحديات قاسية في بداية حياتهم الزوجية، حيث تحولت طقوس الفرح الى محاولات متواضعة للعيش في ظل واقع النزوح المرير.

واكد الشاب احمد سالم ان فرحة العمر غابت تماما، حيث يقضي ايامه مع عروسته داخل خيمة لا تملك جدرانا او اثاثا، مكتفين بفرشات للنوم تُطوى نهارا لتصبح مساحة للجلوس في مشهد يعكس قسوة الظروف.

واضاف احمد ان العروس لم تحظَ بفستان زفاف كما كانت تحلم، بل ارتدت ثوبا تراثيا مطرزا استعارته من احدى الجارات، بعد ان عجزت العائلة عن توفير تكاليف الحفل التقليدي في ظل فقدانهم لمنازلهم.

زواج بلا بيت ولا جهاز

وبين ان الخيمة لا توفر حماية من تقلبات الطقس، ففي الصيف تتحول الى فرن خانق، بينما تفتقد لاي خصوصية، حيث توضع ملابس العروس في اكياس بلاستيكية نظرا لغياب الخزائن او ادوات الزينة.

واوضحت والدة العريس انهم اضطروا للاكتفاء بالحد الادنى من المستلزمات، فبدلا من الذهب والشبكة، اقتصر الامر على دبلة بسيطة، بينما تم تأجيل معظم المهر كدين في ذمة العريس بسبب انعدام فرص العمل والنزوح.

وشدد على ان مراسم الزفاف لم تشهد زغاريد او قاعات افراح، بل اقتصرت على تجمع عائلي صغير داخل مركز الايواء، لتصبح ليلة العمر مجرد ذكرى مؤلمة وسط الخراب الذي خلفته الحرب في كل مكان.

حر وذباب وجرذان بدل بيت الزوجية

واظهرت المعاناة اليومية ان حياة الزوجين داخل الخيمة لا تخلو من الاخطار، فالظلام والحر يجلبان الذباب والبعوض، بل وتتسلل الجرذان ليلا، مما يمنع العروسين من النوم الهادئ ويجعل حياتهما في حالة استنفار دائم.

واشار احمد بأسى الى ان شعوره بالتقصير تجاه زوجته يلاحقه، فهو كان يطمح ان يوفر لها منزلا مستقرا، لكن الحرب سلبته احلامه، ليجد نفسه مضطرا لتزويجها في ظروف تفتقر لادنى درجات الراحة النفسية.

واكد ان كل يوم يمر داخل تلك الخيمة يمثل اختبارا جديدا للصبر، حيث تتحول الفرشات المهترئة الى مصدر للالم الجسدي، وتصبح الامنيات البسيطة مثل توفير مكان نظيف للنوم حلما بعيد المنال في ظل النزوح.

حالة افضل قليلا نفس الحكاية

وكشف العريس ابراهيم جراد ان وضعه يبدو افضل ظاهريا بفضل خيمة على شكل قبة، لكن الجوهر يظل واحدا، حيث يمارس حياته مع زوجته في مساحة ضيقة جدا، مع مطبخ خارجي مكشوف يفتقر لاي حماية.

واضاف ان عروسه استطاعت استئجار فستان ابيض، لكن ذلك لم يغير من واقع انعدام الاثاث، حيث تظل الفرشات الاسفنجية هي الوسيلة الوحيدة للجلوس والنوم، مع حمام صغير لا تتجاوز مساحته مترين بجدران من النايلون.

وبين ابراهيم ان الحرب دمرت عادات الزواج في بلدة بيت حانون، حيث دفع انعدام الدخل والنزوح الشباب الى التخلي عن كل مظاهر الفخامة، والاكتفاء بما يسد الرمق من احتياجات اساسية للبقاء على قيد الحياة.

اثاث من خشب المشاطيح

واظهر الحرفي محمد ياسين ان المنجرة الصغيرة التي يديرها بحي الزيتون اصبحت ملاذا للعرسان، حيث يعتمد على خشب المشاطيح لصناعة اثاث رخيص الثمن يناسب قدرات النازحين الذين لا يملكون ثمن الاثاث التقليدي الباهظ.

واوضح ان طقم النوم الذي كان يكلف مبالغ طائلة اصبح يصنع بمواد بسيطة، ومع ذلك يظل سعره مرتفعا بالنسبة لشباب فقدوا كل شيء، مما يعكس الحالة الاقتصادية المتردية التي يعيشها القطاع منذ فترة طويلة.

واضاف ان ارتفاع اسعار المواد الخام وشح الخشب زاد من معاناة الحرفيين والزبائن على حد سواء، ليصبح تأمين سرير وخزانة بسيطة امرا يتطلب تضحيات مالية كبيرة في وقت يفتقر فيه الجميع للدخل المستقر.

الذهب من شبكة الى دبلة تباع بعد اسبوع

وكشف الصائغ انيس الاشقر ان مفهوم الذهب قد تغير جذريا، فبعد ان كان زينة وخزينة، اصبح اليوم مجرد دبلة بسيطة، بل ان الكثير من العرسان يضطرون لبيعها بعد ايام لسداد الديون او شراء الطعام.

واضاف ان وزن الذهب المشتري تقلص بشكل كبير، حيث كانت العائلات تشتري عشرات الغرامات، بينما اصبح اليوم الغرام الواحد هو المعيار، مع غياب كامل للشبكة التي كانت تمثل ركنا اساسيا في تقاليد الزواج قديما.

واكد ان حركة السوق تعكس حالة البيع لا الشراء، فالعرسان يبيعون ما يملكون لمواجهة متطلبات الحياة اليومية، مما يشير الى ان الذهب لم يعد ملاذا آمنا بل اصبح وسيلة لتغطية الاحتياجات الطارئة للنازحين.

جهاز العروس يتقلص الى الحد الادنى

واوضح التاجر مؤمن صرصور ان بوصلة تجهيز العرائس تغيرت، فبدلا من شراء كميات كبيرة من الملابس والفساتين، اصبحت العرائس يكتفين بقطع قليلة جدا وضرورية تتناسب مع طبيعة الحياة داخل الخيام المزدحمة بالنازحين.

واضاف ان المهر لم يعد كافيا لتغطية الاحتياجات، مما يدفع الاهل للمساهمة بكل ما يملكون، حيث اصبحت اختيارات الملابس عملية وموجهة للتحمل اكثر من كونها للزينة، في ظل نقص الخصوصية والظروف البيئية القاسية للخيام.

واكد ان الحرب لم تغير تفاصيل الزواج فحسب، بل غيرت مفهوم بيت الزوجية نفسه، ليصبح مجرد خيمة تؤوي زوجين يحاولان الصمود، في صورة تختزل مأساة جيل كامل يبحث عن الفرح وسط ركام الحرب والنزوح.